Coach Imen Bouyahya

من القَلَقِ إلى التّسليم

أغلب العملاء الذين يتصلون بي يطلبون المساعدة يعانون من اضطراب القلق العام. تجاوزوا بمراحل القلق الوجودي الطبيعي حتّى أصبح القلق لديهم مرضيّا ومعطّلا عن الإستمتاع بالحياة

فكيف دخلوا ابتداءا في دوّامة القلق؟

تتعدد الأسباب من بيولوجية جينية (نعم القلق يتم توارثه عبر الاجيال) فتجد عائلات بأكملها يسيطر عليها شعور القلق والتوتر فتعيش في ضغط دائم ومتواصل يكون أحيانا مُعلنا ومعترفا به..وأحيانا ما يكون خفيّا يختبئ تحت المبررات المختلفة مثل المثالية والميل للكمال والنظام والإنضباط

للقلق أيضا أسباب نفسية تتعلق بالتكوين أو البِناء النفسي للفرد والذي بدوره يعود إلى ظروف وبيئة التنشئة والخِبرات التي تعرّض لها في مرحلة الطفولة المبكّرة

فنجد مثلا الطفل المُطيع المتميّز محطّ أنظار الجميع في العائلة والمدرسة من أكثر الأطفال قلقا..نظرا لأنه تعوّد على المعايير العالية ولم يسمح لنفسه بالخطأ أو التقصير مستدمجا بذلك صوت أحد والديه أو مقدم الرعاية الذي كان يطالبه ضمنيا أو علنا بمستوى أداء عالٍ

القلق الوجودي بالنسبة للفيلسوف الوجودي كيركغارد هو “دُوار الحريّة” ولا أجد شخصيا أبلغ من هذه العبارة لوصف القلق

بمعنى أنّ الإنسان تُصيبه حُرية اتخاذ القرار وكثرة الإحتمالات بالدوار..لأنه يخشى تحمل المسؤولية الناتجة عن خياراته. كما يخاف الخطأ والفشل وعدم القدرة على الإلتزام بتبعات خياراته

فحين ينشط العقل ويُفرط في هذا النشاط جراء التحفز والإستثارة العالية التي تعود عليها، يتمادى في التخيّلات..وطرح السيناريوهات الخطرة والإحتمالات المميتة لكل خطوة أو قرار ممكن

فينتج عن ذلك حالة شلل أو تجمّد معروفة لدى القلِقين analysis paralysis..يتفاعل معها الجهاز العصبي فيبقى عالقا في حالة الاستثارة ونمط الخوف الذي يصل إلى نوبات الهلع في بعض الأحيان

خوف الإنسان من المسؤولية مرتبط بخوفه من المجهول وعدم استطاعته التعامل مع هذا المجهول بكفاءة حتى يَنجو ويُنقذ نفسه من الهلاك

ولقد لاحظت فعلا ان جذر القلق المرضي الذي عانيت منه شخصيا لسنوات وأساعد اليوم عُملائي على التعامل معه، هو مفهومنا عن المسؤولية الفردية

ولا أقصد هنا أن الشخص القلِق غير قادر على تحمل المسؤولية..بالعكس تماما..فهو شاطر ومبدع في تحمل مسؤولية الآخرين والإهتمام بهم وتلبية احتياجاتهم

حتى أنك تجد عَمود العائلة أو أقدر فرد في فريق العمل هو أكثرهم قَلقا

ولكن المسؤولية التي تخيفهم هي مسؤولية أنفسهم..فَهم ذواتهم وتهدئتها وطمأنتها وتحمل مسؤولية عيش حقيقتها وأصالتها أمام الجميع هو ما يرعبهم حقا

فهُم اعتماديون في العُمق..يتغذّون شعوريا وعاطفيا على دعم الآخر ووجوده وتصفيقه

يخافون أن يحدث لهم شيء أو يجدون أنفسهم داخل أزمة أو وورطة ولا يستطيعون الخروج منها..أكثر ما يخيفهم المجهول من الأقدار والذي يتخيلونه سلبيا صِرفا فينفضح عندها ضعفهم وهشاشتهم

“فما الحلّ يا كوتش؟” هذا التساؤل الشهير الذي يطرحه عُملائي ظنّا منهم أن هنالك كبسة زرّ ستخرجهم من حالة القلق المرضي

بينما الحل يبدأ من مراجعة نظام المعتقدات وغرس الإيمان والثقة..حجر أساس شعور المسؤولية

الخلاص لا يتم إلا عبر الإيمان بالله والتدرب على الثقة به..ولا نغرس الإيمان والثقة بالعقل..بل بفتح القلب

خطتي في مرافقة عملائي الأذكياء القلقين تنطلق من الفهم: فهم الأنماط الفكرية المتكررة والأحاسيس الجسدية وفكّ شيفرة مشاعر الخوف والعار والذنب

ثم نستبدل نظام المعتقدات المبني على الخوف وعدم الثقة بالإيمان والتسليم لصاحب الاستطاعة المُطلقة الله عزّ وجلّ

التسليم بأن استطاعتي محدودة أمام استطاعة الله القادر..والتدرب على التوكل عليه في الصغيرة والكبيرة هما مفاتيح الإسترخاء والراحة

يطمئن القلب..فيهدأ العقل..ويَسكن الجسد

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

fr_FR